أبي منصور الماتريدي

251

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ . قال بعضهم : الصَّالِحُونَ هم المؤمنون و دُونَ ذلِكَ هم الكافرون . ويشبه أن يكون الصَّالِحُونَ ، و دُونَ ذلِكَ ليس على الإيمان والكفر ؛ لأن هذا قد ذكر فيما تقدم من الآيات بقوله : وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ ، ولو كان التأويل على ما ذكروا ، لكان يقع موقع التكرار ؛ ولكن تأويله عندنا : وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ ، أي : منا من عرف بالصلاح والستر ، وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ وهم الفسقة ؛ فيكون فيه إبانة أن كل أهل دين فيهم الصالح المرضي ، وفيهم الفاسق المفسد في دينه ؛ قال الله تعالى : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ [ النور : 32 ] ، ولو لم يكن منا غير صالح ، لم يكن لاشتراط الصالحين معنى ، وكقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطلاق : 2 ] ، فلو لم يكن منا أهل فسق ، لما قال « 1 » هذا . وقوله - عزّ وجل - : كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً . أي : أهواء متفرقة ، ولم يذكروا في الأهواء المتفرقة الأصلح والأدون ، وذكروا ذلك عند ذكر الفاسق والصالح ؛ لأن أهل الأهواء كلّ [ يظن ] في نفسه : أنه هو المحق ، وغيره على الباطل ، وأما الفاسق فهو يعرف أنه يتعاطى بفسقه ما لا يحل له ، ويرتكب ما نهي عنه ، وكذلك كل من شاهد فسقه يعرف أنه على الباطل ؛ وإن كان كذلك ، ظهر الدون فيه ، وظهر الصالح ، ولم يظهر ذلك في اعتقاد المذاهب ؛ فلم يتكلم فيه بالدون والصالح . ثم الطرائق هي المذاهب والأهواء ، والقدد : القطع ، يقال : قدّه ، أي : قطعه ، فمعناه : أنا كنا على مذاهب متفرقة ، وأهواء متشتتة ، ففي الآية أن في الجن أهواء متفرقة ، كما [ أن ] « 2 » ذلك في الإنس ، والأصل فيه أن طريق معرفة المذهب والدين الفكر والاجتهاد [ ليتوصل به ] « 3 » إلى الحق ، والمجتهد قد يصيب الطريق مرة ، ويزيغ عنه أخرى ؛ فلهذا ما أصاب البعض من الخلائق الطريق المستقيم ، ومنهم من زاغ عنه . ويعلم بهذا أن سبيل الجن في التوحيد وسبيل الإنس واحد ، وهو الفكر ، وله الاجتهاد ، وأن فيهم آيات متشابهة كما في الإنس ؛ إذ عن المتشابه يتولد الزيغ ؛ لذلك تفرقوا على أهواء [ متفرقة ] « 4 » مختلفة ، وأما أسباب الفسق مجتمعة ، فتعرف بالمعاينة ، فيظهر الأدون والأرفع في الدين .

--> ( 1 ) في أ : لم يقل . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : المتوصل . ( 4 ) سقط في ب .